
الفصل الثاني: من رواية الطيبة والوحش
الفصل الثانى : الوحش حين يكره النجاح
بقلم / سهير محمود عيد
في الفصل الأول ظهر الوحش بصوته وغضبه،
وفي هذا الفصل نكتشف كيف يرى النجاح خطرًا يجب سحقه.
لم يكن يومًا عاديًا، رغم أننا تمنّيناه كذلك.
كان يوم إنجاز، يوم انتظرناه طويلًا، يوم ظننت—بسذاجة موجعة—أنه قد يحمل استثناءً واحدًا من قسوته.
عاد ابني من البطولة يحمل ميداليته، لا في يده فقط، بل في عينيه. ذلك اللمعان النادر، لمعان من انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على الآخرين.
ودخل الآخر بعدها بدقائق، يحمل شهادته، اسمه يتصدر القائمة، توقيع المدرسة أسفل التفوق، وابتسامة خجولة كأنه يخشى أن يُتهم بالغرور.
كنت أراقبهما من بعيد، قلبي يسبق خطواتهما.
قلت لنفسي:
اليوم سيفرح… اليوم سيفهم… اليوم قد يرى ما نراه نحن.
لكنني نسيت حقيقة واحدة:
الوحش لا يرى الإنجازات، يرى فقط ما لا يخضع له.
جلسنا في غرفة المعيشة.
وضعت الميدالية على الطاولة، كأنها شهادة ميلاد جديدة لابني.
ساد صمت ثقيل… ذلك الصمت الذي أعرفه جيدًا، الصمت الذي يسبق العاصفة.
نظر إلى الميدالية، ثم إلى الشهادة، ثم رفع رأسه ببطء.
لا ابتسامة.
لا تهنئة.
لا سؤال.
قال بصوت بارد، كأنه يقرأ حكمًا: — «يعني إيه بطولة؟ كنت الأول؟ ولا مشاركة والسلام؟»
تجمّد ابني في مكانه.
تراجع الضوء في عينيه خطوة للخلف.
— «كنت الأول يا بابا…»
قهقه بسخرية جارحة: — «أول في إيه؟ بطولة مدارس؟ لعب عيال!»
ثم التفت للآخر: — «وأنت… مجموع؟ يعني إيه مجموع؟ ما كل سنة تقولوا كده، وبعدين؟»
حاولت أن أتدخل، أن ألتقط ما تبقّى: — «ده تعبهم… اجتهدوا فعلًا…»
نظر إليّ نظرته المعتادة، نظرة الاتهام الجاهز: — «إنتِ دايمًا بتدلعيهم… عشان كده فاشلين.»
سقطت الكلمة كحجر.
فاشلين.
لم تكن كلمة، كانت صفعة.
رأيت أثرها على وجوه أولادي، لا كدموع، بل كشرخ صامت.
لم يبكوا.
لم يردوا.
لكن شيئًا ما انكسر… ببطء موجع.
انسحبوا إلى غرفهم، يحمل كل واحد ميداليته أو شهادته وكأنها جريمة.
أما أنا، فبقيت في مكاني، أحدّق في الفراغ.
في تلك اللحظة فهمت حقيقة مرعبة:
النجاح في هذا البيت لا يحميك… بل يجعلك هدفًا أكبر.
في الليل دخلت غرفهم بهدوء.
كان الأول ينظر إلى ميداليته كأنها فقدت وزنها.
والثاني أغلق درج مكتبه على شهادته، كأنها شيء يجب إخفاؤه.
قال أحدهما بصوت منخفض: — «ماما… هو ليه عمره مش راضي؟»
لم أجد إجابة.
لأول مرة، لم أجد كذبة تطمئنهم.
قال الآخر، وعيناه في الأرض: — «يمكن فعلًا إحنا مش كفاية.»
هنا أدركت الخطر الحقيقي.
ليس صراخه.
ليس اتهاماته.
بل تلك الفكرة التي بدأت تزحف إلى داخلهم.
خرجت من الغرفة وأنا أرتجف.
جلست وحدي، وسمعت صوتًا داخليًا لم أسمعه من قبل: إلى متى؟
لأول مرة، لم يكن السؤال عنه…
كان عني.
عن صمتي.
عن دوري.
عن الثمن الذي يدفعه أولادي بدلًا عن خوفي.
وفي تلك الليلة، بينما كنت أطفئ الأنوار، سمعت ابني يهمس لأخيه: — «لو كل مرة ننجح بنتعاقب… ليه نكمل؟»
أغمضت عينيّ، وعرفت أن القادم أخطر من الغضب.
أن الفصل القادم لن يكون عن الصراخ…
بل عن ما يفعله الصراخ حين يسكن قلوب الأطفال.





